أبي منصور الماتريدي
184
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها ، فإن استعملتموها في غير ما أذن لكم فيها ، خنتم الله والرسول فيها ، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله [ إذا ضيعتم
--> - المذهب الأول : يرى جمهور الفقهاء أن المودع إذا انتفع بالوديعة ، مثل : ركوب الدابة ، ولبس الثوب - يعد خيانة ، ويكون المودع ضامنا ، كما أن على المودع حينئذ أجرة المثل إن مضت مدة باستعماله الوديعة يقابل مثلها بأجرة ؛ لأنه بانتفاعه بدون إذن المالك صار كالغاصب ولم يعد أمينا ، ولا ينفعه عودته إلى الوفاق ، أي : إلى الأمانة كأن يعيد الوديعة إلى مكانها على نية ألا يعود إليها مرة ثانية . المذهب الثاني : يري الحنفية أنه إذا تعدى المودع على الوديعة ، ولم يترتب عليها ضرر من هذا التعدي ، وترك التعدي على نية ألا يعود إليه مرة ثانية ، ثم هلكت بلا تعد ولا تقصير ، يعني : إذا وقع الهلاك بعد أن عاد إلى الوفاق بعد التعدي - لا يلزم الضمان . هذا وقد قسم الحنفية عقود الأمانات إلى قسمين : القسم الأول : أمانات تقوم يد الأمين فيها مقام يد مالكها ، وهي الأمانات التي نفع يد الشخص الذي اتخذ أمينا على تلك الأمانات ، عائد إلى صاحب المال فقط كالوديعة ؛ لأن وضع يد المودع في الوديعة وفائدته عائدان إلى المودع الذي هو صاحب المال وليس للمودع في وضع اليد هذا نفع دنيوي ما ، وفي هذا القسم من الأمانات إذا رجع الأمين ، يد صاحب المال تقديرا ، فمن عاد إلى الوفاق بعد التعدي تكون الوديعة كأنها أعيدت ليد صاحب المال . مثال : إذا ركب المودع الحيوان المودع بلا إذن ، واستعمله بهذا الوجه - يكون قد تعدى ، ويصير في حكم الغاصب إلا أنه يعد استعماله إياه على هذه الصورة ودون أن يترتب عليه ضرر ما إذا ترك الركوب على ألا يتعدى ، أي : لا يركبه مرة ثانية ، وحفظه كما في السابق - يصير بريئا ، وتعود يده إلى الأمانة كما كانت ، حتى إذا هلك الحيوان أو فقد بعد ذلك بلا تعد أو تقصير لا يلزم الضمان . أما إذا ركبه يوما ، ثم تركه على نية ركوبه غدا ، وسرق تلك الليلة أو هلك - ضمنه المودع . القسم الثاني : الأمانات التي نفع وضع يد الشخص الذي اتخذ أمينا عليها ، وفائدة عمله يعودان إلى صاحب المال ، غير أن يد الأمين لا تقوم مقام يد المالك ، بل للأمين نفع فيها ، والحفظ ليس بالمقصود الأصلي من العقد ، بل تبعا لاستيفاء المنفعة كالعارية والإجارة ففي هذه الأمانات لا يبرأ الأمين من الضمان بعودته إلى الوفاق بعد التعدي . وخلاصة ما تقدم من تقسيم الأمانات عند الحنفية ، فإننا نجد أنهم يفرقون بين التعدي بالانتفاع بالوديعة وبين غيرها من عقود الأمانات ، كما أنهم يفرقون أيضا بين حالة إلحاق الضرر أو نقص في الشيء المودع أو لا . فالانتفاع بالوديعة دون ضرر أو نقص لا يعد سببا للضمان إن عاد المودع إلى الوفاق وترك الخيانة ، وفي غير الوديعة تعد . وبعد هذا العرض لآراء الفقهاء في هذه المسألة ، نرى أن الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ضمان المودع للوديعة إذا أخرجها من حرزها للانتفاع بها ، سواء لحقها ضرر أو نقصان أو لا ؛ وذلك لقوة أدلتهم . والله أعلم . ينظر : أسنى المطالب ( 3 / 86 ) ، وروضة الطالبين ( 6 / 334 ) ، والشرح الصغير ( 3 / 334 ) ، والمغني مع الشرح الكبير ( 7 / 296 ) ، وتكملة رد المحتار ( 8 / 356 ) .